بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني

العلم المرفوع (التزكية والسلوك)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

العلم المرفوع (التزكية والسلوك)

مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء أبريل 12, 2011 12:23 pm

العلم المرفوع (التزكية والسلوك)
عبد الفتاح بن صالح قُدَيش اليافعي
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ومن اهتدى بهداه, وبعد:
ففي سنن الترمذي (5/31): (عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء, فقال زياد بن لبيد الأنصاري: كيف يختلس العلم منا وقد قرأنا القرآن؟! فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا, فقال: ثكلتك أمك يا زياد إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم؟!
قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت فقلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبرته بالذي قاله أبو الدرداء فقال: صدق أبو الدرداء إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس: (الخشوع) يوشك أن تدخل مسجد جماعة فلا ترى فيه رجلا خاشعا)اه قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب, ورواه الحاكم (1/179) وقال: إسناد صحيح, ووافقه الذهبي
وإخبار عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- بأن أول علم يرفع من الأمة هو الخشوع له حكم الرفع لأنه لا يقال من قبيل الرأي, ومع ذلك فقد جاء مرفوعا صريحا ففي معجم الطبراني الكبير (7/295): (عن شداد بن أوس رضي الله عنه: أن رسول الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أول ما يرفع من الناس الخشوع)اه
ولما كان الخشوعُ أبرزَ أحوالِ صفاء القلوب وزكاة النفوس وسمو الأرواح؛ كان المقصود بالخشوع هو علم التزكية والسلوك؛ لأن الخشوع أثر من آثاره وثمرة من ثماره, قال الشاطبي في الموافقات في المرتبة الثالثة من مراتب العلماء (1/76) : (حاصلها يرجع إلى أن العلماء هم العاملون... ويتصدى النظر هنا في تحقيق هذه المرتبة وما هي؟ والقول في ذلك على الاختصار: أنها أمر باطن وهو الذي عُبر عنه بالخشية في حديث ابن مسعود وهو راجع إلى معنى الآية: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) وعنه عُبر في الحديث: ( أول ما يرفع من العلم الخشوع)اه

المبحث الأول
أهمية علم التزكية والسلوك
لقد وقع مصداق حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , فيكاد يُرفع هذا العلم (التزكية) حتى إننا الآن لا نكاد نجد من أنفسنا اهتماما به مع أنه أولى ما يهتم به؛ لأنه سبيل الوصول إلى معرفة الله, ومعرفة الله هي الغاية التي من أجلها خلقنا الله, قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) قال مجاهد وابن جريج وغيرهما من المفسرين: (يعني: إلا ليعرفون)انظر تفسير القرطبي (17/50) وتفسير ابن كثير (4/ 303), وفسروا العبادة بالمعرفة لأن العبادة هي طريق المعرفة, والمعرفة هي ثمرة العبادة.
وقال سبحانه: (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما) قال الشوكاني في فتح القدير (5/346):
(واللام في قوله: (لتعلموا أن الله على كل شيء قدير) متعلق بـ(خلق) أو بـ(يتنزل) أو بمقدر: أي فعل ذلك لتعلموا كمال قدرته وإحاطته بالأشياء)اه
وجاء في بعض الكتب السماوية السابقة: (يا ابن آدم خلقت الأشياء كلها من أجلك وخلقتك من أجلي فلا تشتغل بما هو لك عمن أنت له)اه انظر شرح الحكم العطائية (ص163)
وفي بعض الآثار: (أن موسى عليه السلام قال: يا رب لماذا خلقت الخلق؟, فقال الله: يا موسى كنت سرا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق ليعرفوني) وليس له أصل مرفوع ولكنه متداول وذكره الكثير من أهل العلم والآية تدل عليه, وفي كشف الخفاء (2/1011): (قال القاري: لكن معناه صحيح مستفاد من قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) أي ليعرفوني كما فسره ابن عباس رضي الله عنهما!)اه
ومقام المعرفة هو مقام الإحسان الوارد في حديث جبريل المشهور: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وهو المقام الذي تحقق به حارثة بن مالك, فعن حارثة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قال له: (كيف أصبحت يا حارثة ؟) قال: أصبحتُ مؤمناً حقاً، قال: (انظر ما تقولُ، فإنَّ لكلِّ قولٍ حقيقةً)، قال: يا رسول الله، عزفَتْ نفسي عن الدُّنيا ، فأسهرتُ ليلي، وأظمأتُ نهاري، وكأنِّي أنظرُ إلى عرشِ ربِّي بارزاً، وكأنِّي أنظرُ إلى أهلِ الجنَّةِ في الجَنَّةِ كيف يتزاورونَ فيها، وكأنِّي أنظرُ إلى أهلِ النَّارِ كيفَ يتعاوَوْنَ فيها. قال: (أبصرتَ فالزمْ، عبدٌ نوَّرَ الله الإيمانَ في قلبه)اه رواه الطبراني في الكبير (3/266) والبيهقي في الشعب (7/363) وعبد الرزاق في تفسيره (3/235) من حديث الحارث بن مالك رضي الله عنه, ورواه البزار برقم (32) والبيهقي في شُعب الإيمان برقم (10590) من حديث أنس رضي الله عنه.
إخواني الكرام ألسنا نشكو هذا الأيام من قسوة القلوب؟! ألسنا نشكو من جفاف العيون؟! ألسنا نشكو من ضعف الخشوع؟! ألسنا نشكو من فشو أمراض القلوب من رياء وعجب وكبر وحسد وتعلق بالدنيا وضعف في التوكل و..؟! ألسنا نشكو من آفات اللسان؟! ألسنا نشكو من سوء الأخلاق؟! ألسنا نشكو من البعد عن الله؟! ألسنا نشكو من كثير من الأمراض؟! ألسنا.. ألسنا..؟!
إن علاج كل الأمراض الظاهرة والباطنة هو في السلوك والتزكية, فجدير بمن ينتسب إلى العلم أن يهتم بتربية نفسه وتزكيتها بالعلم والعمل والتخلية والتحلية حتى يصل إلى مقام الإحسان الذي هو لب الدين وروحه والذي يعبر عنه أهل السلوك والتزكية بالوصول إلى الله وهو أن يكون الشخص في حضور دائم مع الله تعالى في كل حال

علم التزكية هو الطريق إلى جنة الدنيا والآخرة
أطيب ما في الحياة الدنيا هو معرفة الله تعالى والأنس به والقرب منه والتلذذ بمناجاته, وذلك هو جنة الدنيا, روى أبو نعيمفي حلية الأولياء 2/358: بسنده (عن مالك بن دينار قال: خرج أهل الدنيا من الدنيا ولم يذوقوا أطيب شيء فيها قالوا وما هو يا أبا يحيى قال: معرفة الله تعالى)اه
وفي قوت القلوب لأبي طالب المكي 1/423: (عن يحيى بن معاذ الرازي قال: في الدنيا جنة من دخلها لم يشتق إلى شيء ولم يستوحش، قيل: وما هي؟ قال: معرفة اللّه تعالى)اه
وقال ابن القيم في المدارج 3/163: (لو فرضت لذات أهل الدنيا بأجمعها حاصلة لرجل لم يكن لها نسبة إلى لذة جمعية قلبه على الله وفرحه به وأنسه بقربه وشوقه إلى لقائه وهذا أمر لا يصدق به إلا من ذاقه, فإنما يصدقك من أشرق فيه ما أشرق فيك ولله در القائل:
أيا صاحبي ما ترى نارهم؟ فقـال تريـني مـا لا أرى
سقاك الغرام ولم يسـقني فأبصرتَ ما لم أكن مبصرا)اه
وعلم التزكية والسلوك ليس بعلم نظري, بل هو أعمال ووظائف ومجاهدات في الظاهر والباطن تورث بإذن الله معارف وأنوارا وأحوالا في قلب السالك من ذاقها ذاق طعم الإيمان ودخل جنة القلوب, يذوقها المرء ولا يستطيع أن يعبر عنها لأن العبارة تعجز عنها, قال العز بن عبد السلام في كتابه القواعد 2/114: (ومن أطلعه الله على أوصاف غير هذه الأوصاف, فنشأت عنها أحوال تناسبها غير هذه الأحوال لا يمكنهم العبارة عنها, إذ لم توضع عبارة عليها ولا الإشارة إليها, فإن دلالة الإشارة دون دلالة العبارة)اه
وقال ابن القيم في مدارج السالكين 3/326 عن ذلك: (لم تف العبارة بكشفه فإن اللفظ لملوم والعبارة فتانة إما أن تزيغ إلى زيادة مفسدة أو نقص مخل أو تعدل بالمعنى إلى غيره فيظن أنه هو الذي تمكن العبارة عنه)اه
وقال ابن القيم 3/327: (وما أظنك تصدق بهذا وأنه يصير له وجود آخر وتقول هذا خيال ووهم!! فلا تعجل بإنكار ما لم تحط بعلمه فضلا عن ذوق حاله وأعط القوس باريها وخل المطايا وحاديها)اه
وقال أيضا في المدارج 1/159 مشددا على من ينكر ذلك: (وإنما يعرف قدر هذا من اجتاز القفار واقتحم البحار وعرض له ما يعرض لسالك القفر وراكب البحر, ومن لم يسافر ولم يخرج عن وطن طبعه ومرباه وما ألف عليه أصحابه وأهل زمانه فهو بمعزل عن هذا, فإن عرف قدره وكفى الناس شره فهذا يرجى له السلامة, وإن عدا طوره وأنكر ما لم يعرفه وكذب بما لم يحط به علما ثم تجاوز إلى تكفير من خالفه ولم يقلد شيوخه ويرضى بما رضي هو به لنفسه فذلك الظالم الجاهل الذي ما ضر إلا نفسه ولا أضاع إلا حظه)اه

علم التزكية سبب للفتح في العلوم الظاهرة:
من اهتم بتزكية نفسه وتطهيرها فسيفتح الله تعالى على قلبه -لا محالة- صنوفا من العلوم الباطنة والظاهرة ما لا يخطر على بال, لم يكن ليفتحها الله عليه لولا تزكية نفسه وتطهيرها, روى أبو نعيم في حلية الأولياء (10/15): بسنده (عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لم يعلم)اه
وفي صحيح البخاري (5/2384): (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب, وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت, عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه, فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه)اه
أي إن الطريق إلى محبة الله تعالى يكون بتزكية النفس بالمداومة على النوافل بعد الفرائض, ومن كان من أهل المحبوبية لديه سبحانه كان من أهل التسديد والتوفيق والإعانة في كل أموره ويكون وليا من أولياء الله تعالى ويكون مجاب الدعوة
وقال الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين (1/138): (المجاهدة تفضي إلى المشاهدة ودقائق علوم القلب وتنفجر بها ينابيع الحكمة من القلب, وأما الكتب والتعليم فلا تفي بذلك, بل الحكمة الخارجة عن الحصر والعد إنما تتفتح بالمجاهدة والمراقبة ومباشرة الأعمال الظاهرة والباطنة والجلوس مع الله عز وجل في الخلوة مع حضور القلب بصافي الفكرة والانقطاع إلى الله تعالى عما سواه, فذلك مفتاح الإلهام ومنبع الكشف, فكم من متعلم طال تعلمه ولم يقدر على مجاوزة مسموعه بكلمة, وكم من مقتصر على المهم في التعلم ومتوفر على العمل ومراقبة القلب فتح الله له من لطائف الحكمة ما تحار فيه عقول ذوي الألباب)اه
ثم قال الإمام الغزالي: (وكم من معان دقيقة من أسرار القرآن تخطر على قلب المتجردين للذكر والفكر تخلو عنها كتب التفاسير ولا يطلع عليها أفاضل المفسرين وإذا انكشف ذلك للمريد المراقب وعرض على المفسرين استحسنوه وعلموا أن ذلك من تنبيهات القلوب الزكية وألطاف الله تعالى بالهمم العالية المتوجهة إليه وكذلك في علوم المكاشفة وأسرار علوم المعاملة ودقائق خواطر القلوب)اه
وقال الإمام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (13/245): (وأما العلم اللدني فلا ريب أن الله يفتح على قلوب أوليائه المتقين وعباده الصالحين -بسبب طهارة قلوبهم عما يكرهه واتباعهم ما يحبه- ما لا يفتح به على غيرهم, وهذا كما قال علي: (إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه) وفى الأثر: (من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم) وقد دل القرآن على ذلك في غير موضع)اه ثم ذكر الآيات الدال على ذلك
وقال أيضا كما في مجموع الفتاوى (7/235): (كلما تذكر الإنسان ما عرفه قبل ذلك وعمل به حصل له معرفة شيء آخر لم يكن عرفه قبل ذلك وعرف من معاني أسماء الله وآياته ما لم يكن عرفه قبل ذلك كما في الأثر: (من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم) وهذا أمر يجده في نفسه كل مؤمن)اه
وقد كان علماء الظاهر يرجعون لأهل التزكية والصفاء عند المشكلات, قال الإمام أبو طالب المكي في قوت القلوب 1/437: (وقد كان علماء الظاهر إذا أشكل عليهم العلم في مسألة لاختلاف الأدلة سألوا أهل العلم باللّه؛ لأنهم أقرب إلى التوفيق عندهم وأبعد من الهوى والمعصية منهم: الشافعي رحمه اللّه تعالى كان إذا اشتبهت عليه المسألة لاختلاف أقوال العلماء فيها وتكافؤ الاستدلال عليها رجع إلى علماء أهل المعرفة فسألهم, قال: وكان يجلس بين يدي شيبان الراعي كما يجلس الصبي بين يدي المكتب ويسأله: كيف يفعل في كذا؟ وكيف يصنع في كذا؟ فيقال له: مثلك يا أبا عبد اللّه في علمك وفقهك تسأل هذا البدوي؟ فيقول: إن هذا وفق لما علمناه)اه
العلم بغير تزكية قد يكون حجابا بين المرء وربه
العلم بغير تزكية قد يؤدي إلى العجب والكبر والغرور والتعالي وغير ذلك من الآفات, وقد يكون سببا في قسوة القلوب وسببا للعداوة بين المنتسبين إليه, ففي سير أعلام النبلاء 7/183: (عن محمد بن عبادة المعافري قال: كنا عند أبي شريح رحمه الله فكثرت المسائل فقال: قد درنت قلوبكم فقوموا إلى خالد بن حميد المهري استقلوا قلوبكم وتعلموا هذه الرغائب والرقائق فإنها تجدد العبادة وتورت الزهادة وتجر الصداقة, وأقلوا المسائل فإنها في غير ما نزل تقسي القلب وتورث العداوة, قال الذهبي قلت: صدق والله)اه
وفي جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (ج3/ص268) بسنده إلى أحمد بن عبد الله بن أبي الحواري قال: قلت لأبي بكر بن عياش: حدِّثْنا, فقال: (دعونا من الحديث؛ فإنا قد كبرنا ونسينا الحديث، جيئونا بذكر المعاد والمقابر...)اه
وفي جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (ج3/ص286): بسنده عن يحيى بن سعيد القطان قال: سمعت شعبة يقول: (إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون)اه ورواه الخطيب في الجامع 1/217 بلفظ مقارب
وفي طبقات الحنابلة (ج1/ص98): ( قال أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي قلت لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله سمعت شعبة بن الحجاج يقول: إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة وعن صلة الرحم فهل أنتم منتهون, قال: فأطرق ساعة ثم قال: أما نحن فلا نعرف هذا من أنفسنا فإن كان شعبة يعرف من نفسه شيئاً فهو أعلم)اه
رحم الله الإمام أحمد فشعبه يحكي واقع من اشتغل بالحديث عن الذكر والصلاة والحقوق, ولم يقل أنه هو كذلك, وأحمد لم يشغله الحديث عن تلك الأمور فإنه كان من المهتمين بالعبادة
وفي جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (ج3/ص264): بسنده إلى أبي خالد الأحمر قال: (يأتي على الناس زمان تعطل فيه المصاحف، لا يقرأ فيها، يطلبون الحديث والرأي، ثم قال: إياكم وذلك؛ فإنه يصفق الوجه ويكثر الكلام ويشغل القلب)اه
وفي جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (ج3/ص271) بسنده عن الضحاك بن مزاحم قال: (يأتي على الناس زمان يعلقون المصحف حتى يعشش فيه العنكبوت، لا ينتفع بما فيه، وتكون أعمال الناس بالروايات والحديث)اه
وفي جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (ج3/ص296): بسنده إلى حمزة بن محمد بن علي الكناني قال: خرجت حديثا واحدا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مائتي طريق قال: فداخلني من ذلك من الفرح غير قليل وأعجبت بذلك
قال: فرأيت ليلة من الليالي يحيى بن معين في المنام فقلت له: يا أبا زكريا خرجت حديثا واحدا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مائتي طريق, قال: فسكت عني ساعة ثم قال: أخشى أن يدخل هذا تحت ألهاكم التكاثر)اه
وقال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى11/27: (وطريق الله لا تتم إلا بعلم وعمل يكون كلاهما موافقا الشريعة, فالسالك طريق الفقر والتصوف والزهد والعبادة إن لم يسلك بعلم يوافق الشريعة وإلا كان ضالا عن الطريق, وكان ما يفسده أكثر مما يصلحه, والسالك من الفقه والعلم والنظر والكلام إن لم يتابع الشريعة ويعمل بعلمه وإلا كان فاجرا ضالا عن الطريق ) اه
ولنضرب لذلك مثلا ذكره الإمام السهروردي في كتابه عوارف المعارف وهو:
أنه لو فرض أن طالب عالم أو داعية كان في صدر مجلس بعض الوجهاء يحدث الناس ويعظهم أو يعلمهم, وبينما هو كذلك إذ دخل طالب علم أو داعية آخر فقدمه صاحب المجلس ورفعه عليه
فأما طالب العلم والداعية الذي يهتم بتزكية نفسه فلا إشكال عنده في الأمر بل سيقول: الحمد لله الذي كفاني المؤنة بغيري, ولو فرض أن الشيطان سيلقي على قلبه خواطر الحسد فإنه سيستعيذ بالله من تلك الخواطر وسيفعل ما يضاد ذلك من الثناء على ذلك الآخر وخدمته والتواضع له ..إلخ
وأما طالب العلم والداعية الذي لا يهتم بتزكية نفسه فإن الحسد سيحرق قلبه, وقد يفعل ما يظهر ذلك الحسد الكامن في قلبه كأن يخرج من المجلس أو يذم ذلك الآخر أو يغضب على صاحب المجلس.. إلخ, فقس نفسك أيها المنتسب للعلم والدعوة بهذا الميزان, وأجب نفسك بصدق ماذا لو كنت أنت ذلك الشخص فماذا سيكون موقفك؟.. ومن السهل أن يقول الواحد منا باللسان: إن موقفي سيكون كذا, ولكن نريد الجواب بالفعل -وليس بالقول- عند التعرض لمثل الموقف السابق ماذا ستفعل؟

المبحث الثاني
ما هو العلم؟ ومن هو العالم؟
ورد الشرع بمدح العلم والعلماء وأهل العلم وتعلم العلم في آيات وأحاديث كثيرة, فما هو هذا العلم الذي تشمله تلك الفضائل الكثيرة؟ هل هو مجرد الحصول على المعلومات في سائر الفنون أم أن هناك شيئا آخر وراء ذلك؟
يجيبنا عن ذلك الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم حيث يقول: (العلم علمان علم في القلب فذاك العلم النافع وعلم على اللسان فتلك حجة الله على عباده)اه رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (7/82) بسنده عن الحسن مرفوعا, قال العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (1/114): (أخرجه الترمذي الحكيم في النوادر وابن عبد البر من حديث الحسن مرسلا بإسناد صحيح, وأسنده الخطيب في التاريخ من رواية الحسن عن جابر بإسناد جيد)اه
ويجيبنا الإمام الشاطبي عن ذلك بقوله في الموافقات (1/61): (وكل علم لا يفيد عملا فليس في الشرع ما يدل على استحسانه ولو كان له غاية أخرى شرعية لكان مستحسنا شرعا ولو كان مستحسنا شرعا لبحث عنه الأولون من الصحابة والتابعين)اه
وقال في الموافقات أيضا (1/69): (العلم الذي هو العلم المعتبر شرعاً أعنى الذي مدح الله ورسوله أهله على الإطلاق هو العلم الباعث على العمل, الذي لا يخلي صاحبه جارياً مع هواه كيفما كان بل هو المقيد لصاحبه بمقتضاه, الحامل له على قوانينه طوعاً أو كرهاً)اه
وقال ابن جماعة في تذكرة السامع والمتكلم ص13: (واعلم أن جميع ما ذُكر من فضيلة العلم والعلماء إنما هو في حق العلماء العاملين الأبرار المتقين الذي قصدوا به وجه الله الكريم والزلفى لديه في جنات النعيم. لا من طلبه لسوء نية أو خبث طوية أو لأغراض دنيوية من جاه أو مال أو مكاثرة في الأتباع والطلاب)اه
وقبله قال الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين عمن اهتم بالعلوم الظاهرة ونسي العلم الحقيقي (5/230): (فقد ترك العلوم التي هي أهم وهو غافل مغرور وسبب غروره ما سمع في الشرع من تعظيم الفقه ولم يدر أن ذلك الفقه هو الفقه عن الله ومعرفة صفاته المخوفة والمرجوة ليستشعر القلب الخوف ويلازم التقوى... وإنما العلم المهم هو معرفة سلوك الطريق وقطع عقبات القلب التي هي الصفات المذمومة فهي الحجاب بين العبد وبين الله تعالى وإذا مات ملوثا بتلك الصفات كان محجوبا عن الله)اه
وقبله قال الإمام أبو طالب المكي في قوت القلوب 1/475: (اعلم أن كلّ علم من العلوم قد يتأتى حفظه ونشره لمنافق أو مبتدع أو مشرك إذا رغب فيه وحرص عليه؛ لأنه نتيجة الذهن وثمرة العقل إلا علم الإيمان واليقين فإنه لا يتأتى ظهور مشاهدته والكلام في حقائقه إلا لمؤمن موقن من قِبَل أن ذلك تقرير مزيد الإيمان وحقيقة العلم والإيمان)اه
وقال ابن قدامة المقدسي في مختصر منهاج القاصدين (صCool: (فأما علم المعاملة وهو علم أحوال القلب، كالخوف، والرجاء، والرضى، والصدق، والإخلاص وغير ذلك، فهذا العلم ارتفع به كبار العلماء، وبتحقيقه اشتهرت أذكارهم، كسفيان، وأبى حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد. وإنما انحطت رتبة المسمين بالفقهاء والعلماء عن تلك المقامات، لتشاغلهم بصورة العلم من غير أخذ على النفس أن تبلغ إلى حقائقه وتعمل بخفاياه.
وأنت تجد الفقيه يتكلم في الِّظهار، واللِّعان، والسبع، والرمي، ويفرع التفريعات التي تمضى الدهور فيها ولا يحتاج إلى مسألة منها، ولا يتكلم في الإخلاص، ولا يحذر من الرياء، وهذا عليه فرض عين، لأن في إهماله هلاكه، والأول فرض كفاية.
ولو أنه سئل عن علة ترك المناقشة للنفس في الإخلاص والرياء لم يكن له جواب. ولو سئل عن علة تشاغله بمسائل اللعان والرمي، لقال: هذا فرض كفاية، ولقد صدق، ولكن خفي عليه أن الحساب فرض كفاية أيضاً، فهلا تشاغل به، وإنما تبهرج عليه النفس، لأن مقصودها من الرياء والسمعة يحصل بالمناظرة، لا بالحساب !)اه
بعض الآيات القرآنية التي تبين
أن العلم هو علم القلب وعلم الخشية:
الآية الأولى:
قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) [الإسراء: 107 - 109]
في هذه الآية يخبر الله تعالى أن أهل العلم إذا سمعوا القرآن يخرون ساجدين لله مسبحين خاشعين باكين, قال الإمام القرطبي في تفسيره 10/296: (ويخرون للأذقان يبكون) وحق لكل من توسم بالعلم وحصل منه شيئا أن يجري إلى هذه المرتبة فيخشع عند استماع القرآن ويتواضع ويذل, وفي مسند الدارمي أبي محمد عن التيمي قال: من أوتي من العلم ما لم يبكه لخليق ألا يكون أوتي علما لأن الله تعالى نعت العلماء ثم تلا هذه الآية وذكره الطبري أيضا)اه
الآية الثانية:
قال الله سبحانه: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الزمر : 9]
وفي هذه الآية يخبر الله تعالى أن أهل العلم شأنهم القنوت بالليل بالقيام والسجود والخوف والرجاء, قال الألوسي في تفسيره (17/434): (هَلْ يَسْتوي الَّذينَ يَعْلُمونَ) فيعملون بمقتضى علمهم ويقنتون الليل سجداً وركعاً يحذرون الآخرة ويرجون رحمة ربهم (والذين لاَ يَعْلَمُونَ)اه
وقال القرطبي في تفسيره (10/322): (هل يستوي الذين يعلمون) هم الذين ينتفعون بعلمهم ويعملون به، فأما من لم ينتفع بعلمه ولم يعمل به فهو بمنزلة من لم يعلم)اه
الآية الثالثة:
قال الله عز وجل: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) [فاطر:28]
وفي هذه الآية يخبر سبحانه أن أهل العلم شأنهم الخشية له تعالى, وأن من لم يخش الله تعالى فليس بعالم, قال السهروردي في عوارف المعارف ص40: (قال تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) ذكر بكلمة (إنما) فينتفي العلم عمن لا يخشى الله, كما إذا قال: إنما يدخل الدار بغدادي فينتفي دخول غير البغدادي الدار, فلاح لعلماء الآخرة أن الطريق مسدود إلى أنصبة المعارف ومقامات القرب إلا بالزهد والتقوى)اه
وقد تواترت أقوال أهل التفسير وأهل العلم من الصحابة والسلف ومن بعدهم على أن من لم يخش الله فليس بعالم, وهذه طائفة من أقوالهم في ذلك, قال السيوطي في الدر المنثور (8/273) في تفسير هذه الآية:
- (أخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: (إنما يخشى الله من عباده العلماء ) قال: العلماء بالله الذين يخافونه .
- وأخرج ابن أبي حاتم وابن عدي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ليس العلم من كثرة الحديث، ولكن العلم من الخشية .
- وأخرج ابن المنذر عن يحيى بن أبي كثير قال : العالم من خشي الله .
- وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سفيان عن أبي حيان التيمي عن رجل قال: كان يقال العلماء ثلاثة. عالم بالله وعالم بأمر الله وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله. فالعالم بالله وبأمر الله: الذي يخشى الله، ويعلم الحدود والفرائض. والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله: الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود ولا الفرائض، والعالم بأمر الله ليس بعالم بالله: الذي يعلم الحدود والفرائض، ولا يخشى الله .
- وأخرج ابن أبي حاتم وابن عدي عن مالك بن أنس رضي الله عنه قال : إن العلم ليس بكثرة الرواية ، إنما العلم نور يقذفه الله في القلب .
- وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كفى بخشية الله علماً ، وكفى باغترار المرء جهلاً .
- وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال : الفقيه من يخاف الله.)اه.
- وفي تفسير القرطبي (10/119): ( قال الربيع بن أنس: من لم يخش الله تعالى فليس بعالِم. وقال مجاهد: إنما العالِم من خشي الله عز وجل. وقيل لسعد بن إبراهيم: مَن أفقه أهل المدينة؟ قال أتقاهم لربه عز وجل.)اه
- وفي تفسير البغوي (6/419): (قال رجل للشعبي: أفتني أيها العالم، فقال الشعبي: إنما العالم من خشي الله عز وجل.)اه
- وروى أبو خيثمة في كتاب العلم ص9: بسنده (عن حذيفة قال: بحسب المرء من العلم أن يخشى الله عز وجل, وبحسبه من الكذب أن يقول: استغفر الله وأتوب إليه ثم يعود
- وبسنده (عن مسروق قال: بحسب الرجل من العلم أن يخشى الله عز وجل وبحسب الرجل من الجهل أن يعجب بعلمه)اه
- وفي تفسير ابن كثير 3/729: (عن أحمد بن صالح المصري قال: الخشية لا تدرك بكثرة الرواية)اه


الآثار عن السلف في أن
العلم الحقيقي هو علم القلب وعلم الخشية:
تواترت الآثار عن الصحابة والسلف ومن بعدهم من أهل العلم على أن العلم في الحقيقة هو علم القلب وعلم الخشية, وإليك طائفة من أقوالهم في ذلك إضافة إلى ما سبق:
- في الموافقات للشاطبي (1/77): (قال مالك بن أنس: الحكمة والعلم نور يهدي به الله من يشاء وليس بكثرة المسائل ولكن عليه علامة ظاهرة وهي: التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود)اه
- وفي قوت القلوب 1/391: (وروينا عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أنه قال لما مات عمر رضي اللّه عنه: إني لأحسب هذا الرجل قد ذهب بتسعة أعشار العلم, فقيل له: تقول هذا وأصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم متوافرون فقال: إني لست أعني العلم الذي تذهبون إليه إنما أعني العلم باللّه عز وجلّ)اه
- وفي طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 1/382 وقوت القلوب 1/426: (ذكر في مجلس أحمد معروف الكرخي فقال بعض من حضره: هو قصير العلم قال احمد: أمسك عافاك الله وهل يراد من العلم إلا ما وصل إليه معروف, وقال المعافى بن زكريا الجريري حدثت عن عبدالله بن احمد بن حنبل أنه قال: قلت لأبي: هل كان مع معروف شيء من العلم؟ فقال لي: يا بني كان معه رأس العلم خشية الله تعالى) اه
- وفي اقتضاء العلم العمل للخطيب البغدادي (ص/123): (عن الشعبي قال: إنا لسنا بالفقهاء، ولكنا سمعنا الحديث فرويناه، ولكن الفقيه من إذا علم عمل)اه
- وفي اقتضاء العلم العمل (ص/137): (عن نعيم ابن حماد قال: سألت ابن عيينة أو سأله إنسان : من العالم ؟ فقال : الذي يعطي كل حديث حقه [أي من العمل])اه
- وفي اقتضاء العلم العمل (ص/ 11): (عن علي رضي الله عنه قال: يا حملة العلم اعملوا به، فإنما العالم من عمل، وسيكون قوم يحملون العلم، يباهي بعضهم بعضا حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره، أولئك لا تصعد أعمالهم إلى السماء)اه
- وفي اقتضاء العلم العمل (ص/ 45): (عن فضيل بن عياض قال: لا يزال العالم جاهلا بما علم حتى يعمل به، فإذا عمل به كان عالما, وعنه في قول الله تعالى: (وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم) قال: عُلِمتم فعَلمْتم ولم تعملوا فوالله ما ذلكم بعلم)اه
- وفي الموافقات للشاطبي (1/75): (عن الحسن قال: العالم الذي وافق علمُه عملَه ومن خالف علمُه عملَه فذلك راوية حديث سمع شيئاً فقاله)اه
- وفي عوارف المعارف ص31: (قال بعضهم: أجهل الناس من ترك العمل بما يعلم وأعلم الناس من عمل بما يعلم وأفضل الناس أخشعهم لله) قال السهروردي: (وهذا قول صحيح يحكم بأن العالم إذا لم يعمل بعلمه فليس بعالم فلا يغرنكم تشدقه واستطالته وحاقته وقوته في المناظرة والمجادلة فإنه جاهل وليس بعالم )اه

الصحابة والسلف كان من شأنهم تعلم الهدي قبل تعلم العلم:
لقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم رضي الله عنهم يتزكون قبل أن يتعلموا, ويتعلمون الهدي قبل أن يتعلموا العلم, ففي مستدرك الحاكم 1/91 : (عن القاسم بن عوف الشيباني قال: سمعت ابن عمر يقول: لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدثنا يؤتى الإيمان قبل القرآن وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيتعلم حلالها وحرامها وما ينبغي أن يوقف عنده فيها كما تعلمون أنتم القرآن ثم قال : لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما أمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه ينثره نثر الدقل)اه
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لا أعرف له علة ولم يخرجاه, وقال الذهبي في التلخيص: على شرطهما ولا علة له
وفي سنن البيهقي 3/120: (عن أبي عمران الجوني عن جندب قال: كنا غلمانا حزاورة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيعلمنا الإيمان قبل القرآن ثم يعلمنا القرآن فازددنا به إيمانا وإنكم اليوم تعلمون القرآن قبل الإيمان)اه
وهكذا كان دأب السلف الصالح قال عبد الرحمن بن القاسم: (صحبت مالكا عشرين سنة فكان منها سنتان في العلم وثمانية عشر سنة في تعليم الأدب فيا ليتني جعلت المدة كلها أدبا, وقال الشافعي رحمه الله: قال لي مالك: يا محمد اجعل علمك ملحا وأدبك دقيقا)اه العهود المحمدية 278
وفي قوت القلوب1/451: (عن أبي عبيد قال: ما قرعت على عالم قط بابه كنت أجيء إلى منزله فأقعد على بابه انتظر خروجه من قبل نفسه, أتأوّل قول اللّه عزّ وجلّ: (وَلَوْ أنَّهُمْ صبَرُوا حتّى تََخْرُجَ إليْهِمْ لكانَ خيْراً لَهمْ) وقد روينا مثل هذا عن ابن عباس رضي اللّه عنهما) اه
وفي العهود المحمدية ص267: (وكان سفيان الثوري يقول: والله لقد أدركنا أقواما يروضون الطالب سنين كثيرة ولا يعلمونه شيئا من العلم حتى يظهر لهم صلاح نيته في العلم)اه
وفي العهود المحمدية ص265: (وكان سفيان بن عيينة يقول: إذا رأيتم طالب العلم كلما ازداد علما ازداد جدالا ورغبة في الدنيا فلاتعلموه)اه
وتعلم القرآن والعلم قبل تعلم الهدي والتزكية أو من دون تعلم الهدي والتزكية يؤدي إلى الفظاظة والغلظة والعنف والشدة والتطرف والتكفير, فقد روى البزار في مسنده برقم (175): (عن حذيفة بن اليمان، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن مما أتخوف عليكم رجُل قرأ القرآن، حتى إذا رؤيت بهجته عليه وكان رِدْء الإسلام اعتراه إلى ما شاء الله، انسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك. قال: قلت: يا نبي الله أيهما أولى بالشرك: المرمي أو الرامي؟ قال: بل الرامي)اه قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/188): (إسناده حسن)اه. ورواه أبو يعلى الموصلي في مسندهكما في تفسير ابن كثير (3/509) قال ابن كثير بعد حكايته مسندا : (هذا إسناد جيد.)اه

من صفات علماء الآخرة:
قال ابن قدامة المقدسي في مختصر منهاج القاصدين (ص15):
- (من صفات علماء الآخرة: أن يعلموا أن الدنيا حقيرة، وأن الآخرة شريفة. وأنهما كالضرتين، فهم يؤثرون الآخرة، ولا تخالف أفعالهم أقوالهم، ويكون ميلهم إلى العلم النافع فى الآخرة، ويجتنبون العلوم التي يقل نفعها إيثاراً لما يعظم نفعه
- ومن صفات علماء الآخرة: أن يكونوا منقبضين عن السلاطين، محترزين من مخالطتهم. قال حذيفة رضى الله عنه: إياكم ومواقف الفتن. قيل: وما هي؟ قال: أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب، ويقول ما ليس فيه. وقال سعيد بن المسيب رحمه الله: إذا رأيتم العالم يغشى الأمراء، فاحذروا منه فإنه لص. وقال بعض السلف: إنك لا تصيب من دنياهم شيئاً إلا أصابوا من دينك أفضل منه.
- ومن صفات علماء الآخرة: أن لا يسترعوا إلى الفتوى، وأن لا يفتوا إلا بما يتيقنون صحته. وقد كان السلف يتدافعون الفتوى حتى ترجع إلى الأول. وقال عبد الرحمن بن أبى ليلى رحمه الله: أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ما أحد يسأل عن حديث أو فتوى إلا وَدَّ أن أخاه كفاه ذلك. ثم قال آل الأمر إلى إقدام أقوام يدعون العلم اليوم، يقدمون على الجواب في مسائل لو عرضت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع أهل بدر. واستشارهم.
- ومن صفاتهم: أن يكون أكثر بحثهم في علم الأعمال عما يفسدها ويكدر القلوب ويهيج الوساوس، فإن صور الأعمال قريبة سهلة، وإنما التعب في تصفيتها. وأصل الدين: التوقي من الشر، ولا يصح أن يتوقى حتى يعرف.
- ومن صفاتهم: البحث عن أسرار الأعمال الشرعية، والملاحظة لحكمها. فان عجز عن الاطلاع على العلة كفاه التسليم للشرع)اه

جناية المصطلحات على الحقائق في هذا الباب:
كثير من الألفاظ التي ورد مدحها ومدح أهلها في الآيات والأحاديث والآثار عن الصحاب والسلف رضي الله عنهم قد صارت في زماننا تطلق على غير المراد منها, مما أدى أن انعكاس الأمر وانتكاس الفِكْر, قال ابن قدامة المقدسي في مختصر منهاج القاصدين (ص9): (واعلم: أنه بدلت ألفاظ وحرفت، ونُقلت إلى معان لم يردها السلف الصالح:
- فمن ذلك: الفقه: فإنهم تصرفوا فيه بالتخصيص فخصوه بمعرفة الفروع وعللها، ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول منطلقاً على علم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس، ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب. ولذلك قال الحسن رحمه الله: إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الوَرِع الكافُّ عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم، الناصح لهم. فكان إطلاقهم اسم الفقه على علم الآخرة أكثر، لأنه لم يكن متناولاً للفتاوى، ولكن كان متناولاً لذلك بطريق العموم والشمول، فثار من هذا التخصيص تلبيس بعث الناس على التجرد لعلم الفتاوى الظاهرة، والإِعراض عن علم المعاملة للآخرة.
- اللفظ الثاني: العلم: فقد كان ذلك يطلق على العلم بالله تعالى وبآياته، أي: نعمه وأفعاله في عباده، فخصوه وسموا به الغالب المناظر في مسائل الفقه وإن كان جاهلاً بالتفسير والأخبار.
- اللفظ الثالث: التوحيد: وقد كان ذلك إشارة إلى أن ترى الأمور كلها من الله تعالى رؤية تقطع الالتفات إلى الأسباب والوسائط، فيثمر ذلك التوكل والرضى وقد جعل الآن عبارة عن صناعة الكلام في الأصول، وذلك من المنكرات عند السلف.
- اللفظ الرابع: التذكير والذكر: قال تعالى: (وَذكَّرْ َفإنَّ الذَّكْرَى تْنَفعُ الُمْؤمنينَ) وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: مجالس الذكر" فنقلوا ذلك إلى القصص وما يحتوى عليه اليوم مجلس القاص من الشطح والطامات. ومن تشاغل في وعظه بذكر قصص الأولين
- اللفظ الخامس: الحكمة: والحكمة: العلم والعمل به. قال ابن قتيبة رحمة الله: لا يكون الرجل حكيما حتى يجمع العلم والعمل. وقد صار هذا الاسم يطلق في هذا الزمان على الطبيب والُمنِّجم)اه
-
المبحث الثالث
أهمية وضرورة العمل بالعلم
لقد اهتممنا بتعلم المعلومات وحفظها ولكننا -إلا من رحم الله- أهملنا العمل بمضمون تلك المعلومات, واهتممنا بالفصاحة والبلاغة والإعراب ولكن وللأسف صارت قلوبنا أعجمية, روى الخطيب في اقتضاء العلم العمل (ص/158) (عن مالك بن دينار قال: تلقى الرجل وما يلحن حرفا، وعمله لحن كله)اه, وروى الخطيب أيضا (ص/ 159) عن إبراهيم بن أدهم قال: (أعربنا في الكلام فما نلحن ولحنا في الأعمال فما نعرب)اه, وفي إحياء علوم الدين للغزالي (1/123): (قال الأوزاعي: إذا جاء الإعراب ذهب الخشوع)اه , وفي بستان العارفين للإمام النووي (ص/19): (قال الشاعر:
لم نؤت مـن جهـل ولكننا نستــر وجـه العلم بالجهل
نكره أن نلحن في قولنــا ومــا نبالي اللحن في الفعل)اه
ولقد ضرب الله تعالى أسوأ الأمثلة لمن لم يعمل بعلمه, حيث ضرب له مثلا بالكلب في بعض الآيات وبالحمار في بعض آخر نسأل الله العافية, فقال سبحانه في المثل الأول: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) [الأعراف : 175 ، 176]
قال البغوي في تفسيره (3/304): (قال عطاء: أراد [بلعام بن باعور] الدنيا وأطاع شيطانه. وهذه أشد آية على العلماء، وذلك أن الله أخبر أنه آتاه من اسمه الأعظم والدعوات المستجابة والعلم والحكمة، فاستوجب بالركون إلى الدنيا واتباع الهوى تغيير النعمة عليه والانسلاخ عنها، ومَن الذي يَسْلَمُ من هاتين الخلتين إلا من عصمه الله؟)اه, وقال ابن الجوزي في زاد المسير (3/58): (وهذه الآية من أشد الآيات على أهل العلم إذا مالوا عن العلم إلى الهوى)اه .
وقال سبحانه في المثل الثاني: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5) [الجمعة : 5]
قال الطبري في تفسيره (12/92): (حُملوا العمل بها (ثم لم يحملوها) يقول: ثم لم يعملوا بما فيها)اه, وقال الشوكاني في فتح القدير (5/316): (مثل الذين حملوا التوراة) أي كُلفوا القيام بها والعمل بما فيها (ثم لم يحملوها) أي لم يعملوا بموجبها ولا أطاعوا ما أمروا به فيها (كمثل الحمار)اه

الأحاديث النبوية في أن العلم حجة على من لم يعمل به
إن العلم بغير عمل يكون سببا في الهلاك والنار فإن أول من تسعر بهم النار ثلاثة ومنهم العالم المرائي كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا, وصدق ابن رسلان الشافعي حيث يقول في مقدمة منظومته المسماة بالزبد:
وعالم بعلمه لم يعملن * معذب من قبل عباد الوثن
وفي معجم الطبراني وحلية أبي نعيم عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (الزبانية أسرع إلى فسقة حملة القرآن منهم إلى عبدة الأوثان فيقولون: يبدأ بنا قبل عبدة الأوثان؟ فيقال لهم : ليس من يعلم كمن لا يعلم )اه كنز العمال (10/345)
وقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع) كما في صحيح مسلم (4 / 2088) عن زيد بن أرقم رضي الله عنه
وهذه طائفة من الأحاديث النبوية في هذا الشأن, ولكني أريد أن أقول لك أخي القارئ قبل إيرادها: لا تقل: بعض هذه الأحاديث ضعيف, فالحديث الضعيف يعمل به ويروى في الفضائل في مذهب جماهير أهل العلم وحكى غير واحد من أهل العلم أجماع أهل الحديث والفقه والأصول على ذلك, وللفقير بحث مفرد في المسألة بعنوان: (حكم العمل بالحديث الضعيف عند المحدثين والفقهاء دراسة مقارنة) منشور في الأنترنت, وكان ذلك البحث قبلها فصلا من فصول كتاب الفقير (التمذهب دراسة تأصيلية للمسائل المتعلقة بالتمذهب)
والآن إليكم طائفة من الأحاديث في ضرورة العمل بالعلم وأن العلم من غير عمل يكون حجة على صاحبه لا له:
- في المعجم الكبير للطبراني (2/165): عن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (مثل العالم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه)اه ورواه الطبراني أيضا عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه
- وفي سنن الترمذي (4/612): (عن ابي برزة الاسلمي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيم أفناه وعن علمه فيم فعل وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلاه)اه قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح
- وفي المعجم الصغير للطبراني (1/305): (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه)اه
- وفي المعجم الكبير للطبراني (22/55): (عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كل بنيان وبال على صاحبه إلا ما كان هكذا وأشار بكفه وكل علم وبال على صاحبه يوم القيامة إلا من عمل به)اه
- وفي شعب الإيمان للبيهقي (2/283): (عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتيت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت وفت فقلت يا جبريل من هؤلاء قال: خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون ويقرؤن كتاب الله ولا يعلمون)اه
- وروى الخطيب في اقتضاء العلم العمل (ص/65): (عن حذيفة بن اليمان، فيما أعلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (ويل لمن لا يعلم، وويل لمن علم ثم لا يعمل ثلاثا)اه
- وروى الخطيب في اقتضاء العلم العمل أيضا (ص/66): (عن سليمان بن الربيع مولى العباس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ويل لمن لا يعلم، ولو شاء الله لعلمه، وويل لمن يعلم ولا يعمل، سبع مرات)اه وللحديث شاهد عن أبي الدرداء رواه الخطيب بعده
- وروى الخطيب أيضا (ص/6): (عن علي رضي الله عنه قال : قال رجل: يا رسول الله ما ينفي حجة الجهل ؟ قال : العلم, قال : فما ينفي عني حجة العلم ؟ قال : العمل)اه
- وروى أيضا (ص/7): (عن أبي الدرداء قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كيف أنت يا عويمر إذا قيل لك يوم القيامة : أعلمت أم جهلت؟ فإن قلت: علمت، قيل لك: فماذا عملت فيما علمت؟ وإن قلت : جهلت، قيل لك : فما كان عذرك فيما جهلت؟ ألا تعلمت ؟)اه
- وروى أيضا (ص/9): (عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (تعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن ينفعكم الله عز وجل حتى تعملوا بما تعلمون)اه
- وروى أيضا (ص/75): (عن منصور بن زاذان، قال: نبئت أن بعض، من يلقى في النار ليتأذى أهل النار بريحه ، فيقال له : ويلك ما كنت تعمل ؟ ما يكفينا ما نحن فيه من الشر حتى ابتلينا بك ونتن ريحك ؟ قال : فيقول إني كنت عالما فلم أنتفع بعلمي)اه

Admin
Admin

عدد المساهمات : 193
تاريخ التسجيل : 30/03/2011

http://aldoaa.7olm.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: العلم المرفوع (التزكية والسلوك)

مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء أبريل 12, 2011 12:24 pm

آثار عن الصحابة والسلف
في أن العلم من غير عمل حجة على صاحبه
- العلم ينادي العمل فإن لبى العملُ نداء العلم وإلا رحل عن صاحبه, روى الخطيب في كتابه اقتضاء العلم العمل (ص/42) بسند مسلسل بالأبناء عن الآباء بعدد تسعة من الآباء فقال: (أخبرنا أبو الفرج عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن يزيد بن أكينة بن عبد الله التميمي، من حفظه قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت علي بن أبي طالب يقول: (هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل)اه
- والعلم بغير عمل يضر صاحبه ولا ينفعه, روى الخطيب في اقتضاء العلم العمل (ص/ 82): (عن سفيان ابن عيينة قال: العلم إن لم ينفعك ضرك. قال الخطيب: قلت: يعني إن لم ينفعه بأن يعمل به ضره بكونه حجة عليه)اه
- والاستكثار من العلم من غير عمل زيادة في الحجة, روى الخطيب في اقتضاء العلم العمل (ص/84): (عن مالك بن دينار قال: إنني وجدت في بعض الحكمة: لا خير لك أن تعلم ما لم تعلم ولم تعمل بما قد علمت, فإن مثل ذلك مثل رجل احتطب حطبا فحزم حزمة، ذهب يحملها فعجز عنها ، فضم إليها أخرى)اه وروى في اقتضاء العلم العمل (ص/ 88): (عن إبراهيم بن أدهم قال : خرج رجل يطلب العلم فاستقبله حجر في الطريق فإذا فيه منقوش: اقلبني تر العجب وتعتبر، قال: فأقلب الحجر فإذا فيه مكتوب: أنت بما تعلم لا تعمل، كيف تطلب ما لا تعلم ؟!)اه
- وكان السلف يسألون الطالب عن عمله فيما علموه قبل أن يعلموه الجديد, روى الخطيب في اقتضاء العلم العمل (ص/ 89): (عن عطاء قال: كان فتى يختلف إلى أم المؤمنين عائشة فيسألها وتحدثه، فجاءها ذات يوم يسألها فقالت: يا بني هل عملت بعد بما سمعت مني؟ فقال: لا والله يا أمه، فقالت: يا بني فبما تستكثر من حجج الله علينا وعليك)اه
- ومن لم يعمل بعلمه لا يكون لكلامه أثر في قلوب الناس, روى الخطيب في اقتضاء العلم العمل (ص/ 95): (عن مالك، قال : قرأت في التوراة : إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا)اه
- ومن لم يعمل بعلمه هو أشبه بقاطع الطريق أمام العامة, روى الخطيب في اقتضاء العلم العمل (ص/103): (عن وهيب بن الورد قال: (مثل العالم السوء كمثل حجر وقع في ساقية، فلا هو يشرب من الماء، ولا هو يخلي عن الماء فيحيى به الشجر، ولو أن علماء السوء نصحوا لله في عباده فقالوا: يا عباد الله اسمعوا ما نخبركم به عن نبيكم وصالح سلفكم فاعملوا به، ولا تنظروا إلى أعمالنا هذه الفشلة فإنا قوم مفتونون، كانوا قد نصحوا لله في عباده ولكنهم يريدون أن يدعوا عباد الله إلى أعمالهم القبيحة فيدخلوا معهم فيها)اه
- وكان السلف يحذرون من الاغترار بالعالم والقارئ الذي لا يعمل بعلمه, ففي اقتضاء العلم العمل (ص/109): (عن أبي إسحاق، قال: قال عمر بن الخطاب: لا يغرنكم من قرأ القرآن، إنما هو كلام يتكلم به، ولكن انظروا من يعمل به)اه
- وكان السلف يحذرون من الرضى بالعلم دون العمل, ففي اقتضاء العلم العمل (ص/139): (قال سفيان الثوري: رضي الناس بالحديث، وتركوا العمل)اه
- والعلم أفضل الأعمال لمن عمل به لا لمن لم يعمل به, ففي اقتضاء العلم العمل (ص/ 151): (قال بشر الحافي: يقولون إني أنهى عن طلب الحديث، أنا لا أقول شيئا أفضل منه لمن عمل به، فإذا لم يعمل به فتركه أفضل)اه
- وطالب العلم الحقيقي هو من يعمل بما علم أولا بأول, ففي اقتضاء العلم العمل (ص/ 18): (عن أبي الدرداء قال: إنك لن تكون عالما حتى تكون متعلما، ولن تكون متعلما حتى تكون بما علمت عاملا)اه
- وطلب العلم بنية العلم المجرد لا ينتفع به صاحبه بل يكون سببا في الكبر, ففي اقتضاء العلم العمل (ص/31): (عن أبي عبد الله الروذباري قال: من خرج إلى العلم يريد العلم لم ينفعه العلم ، ومن خرج إلى العلم يريد العمل بالعلم نفعه قليل العلم)اه وفي اقتضاء العلم العمل (ص/ 35): (عن مالك بن دينار قال: إذا طلب العبد العلم ليعمل به كسره [أي انكسر وتواضع]، وإذا طلبه لغير العمل زاده فخرا)اه
- والعلم من غير عمل كالشجرة بلا ثمر ففي اقتضاء العلم العمل (ص/ 48): (عن عبد الله بن المعتز قال: علم بلا عمل كشجرة بلا ثمرة وقال أيضا: علم المنافق في قوله ، وعلم المؤمن في عمله)اه
- وكان السلف يخشون من سؤال الله لهم عن العمل بالعلم أكثر من السؤال عن التعلم ففي اقتضاء العلم العمل (ص/55): (عن أبي الدرداء قال: إني لست أخشى أن يقال لي: يا عويمر ماذا علمت؟ ولكني أخشى أن يقال: يا عويمر ماذا عملت فيما علمت)اه

وما زلنا مع الآثار عن السلف الكرام رضي الله عنه في ضرورة العمل بالعلم, ففي الموافقات للإمام الشاطبي (1/ 75):
- عن ابن مسعود: كونوا للعلم وعاة ولا تكونا له رواة فإنه قد يوعى ولا يروى وقد يروى ولا يوعى
- وعن أبي الدرداء: لا تكون تقياً حتى تكون عالماً ولا تكون بالعلم جميلاً حتى تكون به عاملاً
- وقال الثوري: العلماء إذا علموا عملوا فإذا عملوا شُغلوا فإذا شُغلوا فُقدوا فإذا فُقدوا طُلبوا فإذا طُلبوا هربوا
- وعن الحسن قال: الذي يفوق الناس في العلم جديرٌ به أن يفوقهم في العمل)اه
وفي إحياء علوم الدين للإمام الغزالي (1 / 115-125):
- روى ابن حبان في روضة العقلاء موقوفا على الحسن: من ازداد علما ثم ازداد على الدنيا حرصا لم يزدد من الله إلا بعدا
- وقال عمر رضي الله عنه: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة المنافق العليم, قالوا: وكيف يكون منافقا عليما؟ قال: عليم اللسان جاهل القلب والعمل
- وقال الحسن رحمه الله: لا تكن ممن يجمع علم العلماء وطرائف الحكماء ويجري في العمل مجرى السفهاء
- وكان يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله يقول لعلماء الدنيا: يا أصحاب العلم قصوركم قيصرية وبيوتكم كسروية وأثوابكم ظاهرية وأخفافكم جالوتية ومراكبكم قارونية وأوانيكم فرعونية ومآثمكم جاهلية ومذاهبكم شيطانية فأين الشريعة المحمدية
- وقال سهل التستري رحمه الله: العلم كله دنيا والآخرة منه العمل به والعمل كله هباء إلا الإخلاص
- وقال سهل: الناس كلهم موتى إلا العلماء والعلماء سكارى إلا العاملين والعاملون كلهم مغرورون إلا المخلصين والمخلص على وجل حتى يدري ماذا يختم له به
- وقال عيسى عليه السلام: كيف يكون من أهل العلم من مسيره إلى آخرته وهو مقبل على طريق دنياه؟! وكيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبر به لا ليعمل به؟!
- وقال حاتم الأصم رحمه الله: ليس في القيامة أشد حسرة من رجل علم الناس علما فعملوا به ولم يعمل هو به ففازوا بسببه وهلك هو
- وقال سرى السقطي: اعتزل رجل للتعبد كان حريصا على طلب علم الظاهر, فسألته فقال: رأيت في النوم قائلا يقول لي: إلى كم تضيع العلم ضيعك الله؟ فقلت: إني لأحفظه فقال: حفظ العلم العمل به
- وقال الحسن: تعلموا ما شئتم أن تعلموا فوالله لا يأجركم الله حتى تعملوا فإن السفهاء همتهم الرواية والعلماء همتهم الرعاية
- وقال مالك رحمه الله: إن طلب العلم لحسن وإن نشره لحسن إذا صحت فيه النية ولكن انظر ما يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسي فلا تؤثرن عليه شيئا
- وقال ابن مسعود رضي الله عنه: أنزل القرآن ليعمل به فاتخذتم دراسته عملا, وسيأتي قوم يثقفونه مثل القناة ليسوا بخياركم )اه
وفي العهود المحمدية ص265 وما بعدها:
- كان الفضيل بن عياض رضي الله عنه يقول: لو صحت النية في العلم لم يكن عمل يقدم عليه إلا العمل وما يحتاج منه ولكن تعلموه لغير العمل
- وكان يقول: احذروا عالم الدنيا أن تجالسوه خوفا أن يفتنكم بزخرفة لسانه ومدحه للعلم وأهله من غير عمل به .
- وكان يقول: ربما كان علم العالم زادَه إلى النار, فلا ينبغي لأحد أن يفرح بعلمه إلا بعد مجاوزة الصراط وهناك يعلم حقيقة علمه هل هو حجة له أو عليه
- وكان يقول: اطلبوا العلم للعمل فإن أكثر الناس قد غلطوا في ذلك فصار علمهم كالجبال وعملهم كالهباء
- وكان ذو النون المصري رضي الله عنه يقول : أدركنا الناس وأحدهم كلما ازداد علما ازداد في الدنيا زهدا وتقللا من أمتعتها ونراهم اليوم كلما ازداد أحدهم علما ازداد في الدنيا رغبة وتكثيرا لأمتعتها .
- وكان بكر بن عبد الله المزني يقول: من عقل الرجل أن لا يطلب الزيادة من العلم إلا إذا عمل بما علم فيتعلم العلم كي يعمل به إذ العلم إنما يطلب للعمل
- وكان الشعبي رضي الله عنه يقول: اطلبوا العلم وانتم تبكون فإن أحدكم إنما يريد به زيادة إقامة الحجة على نفسه يوم القيامة
- وكان سفيان الثوري يقول: من لا يعمل بعلمه شبيه بشجر الحنظل كلما ازداد ريا بالماء ازداد مرارة)اه .
- وفي المستطرف في كل فن مستظرف (1/20): (قال الشاعر:
يا أيهــا الرجل المعـلم غيره ... هلا لنفسك كــان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى ... كيما يصح به وأنت سقيم
ونراك تصــلح بالرشاد عقولنا ... أبداً وأنت من الرشــاد عديم
فابدأ بنفسـك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيــم
فهناك يقبل ما تقــول ويهتدى ... بالقول منك وينفــع التعليم
لا تنه عن خـلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعــلت عظيـم)اه
النية والمقصد في طلب العلم
تصحيح النية والمقصد هو الأساس في طلب العلم, ولا بناء من غير أساس, فليسأل كل واحد منا نفسه وليجب عن نفسه بصدق- بل الإنسان على نفسه بصيرة-: ما مقصدي ومرادي من طلب العلم؟ هل هو وجه الله؟ أم الشهرة والجاه؟ أم المنصب والوظيفة؟ أم المال والدنيا؟ أم..؟ ثم لنتأمل في هذه الأحاديث عن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم :
- في صحيح مسلم (3/1513): (عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها ؟ قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار, ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها؟ قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ...)اه
- في سنن الترمذي (5/32): (عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من طلب العلم ليجاري به العلماء أو ليماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار)اه ورواه ابن ماجه عن ابن عمر (1/93)
- وفي سنن أبي داود (2/346 ): (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة يعني ريحها)اه
- وفي حلية الأولياء (5/99): (عن عبدالله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من سمع الناس بعلمه سمع الله به سامع خلقه يوم القيامة وحقره وصغره)اه
ثم لنتأمل في هذه الآثار عن السلف رضي الله عنهم:
- في سنن الدارمي (1/115): (عن أبي وائل عن عبد الله قال: من طلب العلم لأربع دخل النار: ليباهي به العلماء أو ليماري بها السفهاء أو ليصرف به وجوه الناس إليه أو ليأخذ به من الأمراء)اه
- وفي إحياء علوم الدين (1/147): (يروى في الإسرائيليات أن حكيما صنف ثلثمائة وستين مصنفا في الحكمة حتى وصف بالحكيم فأوحى الله تعالى إلى نبيهم قل لفلان قد ملأت الأرض نفاقا ولم تردني من ذلك بشيء وإني لا أقبل من نفاقك شيئا, فندم الرجل وترك ذلك وخالط العامة في الأسواق وواكل بني إسرائيل وتواضع في نفسه فأوحى الله تعالى إلى نبيهم قل له الآن وفقت لرضاي)اه
- وفي إحياء علوم الدين (1/116): (في أخبار داود عليه السلام حكاية عن الله تعالى: إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي, يا داود لا تسأل عني عالما قد أسكرته الدنيا فيصدك عن طريق محبتي أولئك قطاع الطريق على عبادي
- ولذلك قال الحسن رحمه الله: عقوبة العلماء موت القلب وموت القلب طلب الدنيا بعمل الآخرة, وقال يحيى بن معاذ: إنما يذهب بهاء العلم والحكمة إذا طلب بهما الدنيا)اه
- وفي إحياء علوم الدين (1/124): (قال كعب رحمه الله: يكون في آخر الزمان علماء يزهدون الناس في الدنيا ولا يزهدون, ويخوفون الناس ولا يخافون, وينهون عن غشيان الولاة ويأتونهم, ويؤثرون الدنيا على الآخرة, يأكلون بألسنتهم, يقربون الأغنياء دون الفقراء, يتغايرون على العلم كما تتغاير النساء على الرجال, يغضب أحدهم على جليسه إذا جالس غيره, أولئك الجبارون أعداء الرحمن)اه
- وفي العهود المحمدية ص265-266: (وكان الفضيل بن عياض رضي الله عنه يقول: إذا رأيتم العالم أو العابد ينشرح لذكره بالعلم والصلاح في مجالس الأمراء والأكابر فاعلموا أنه مراءٍ
- وكان سفيان بن عيينة رضي الله عنه يقول: من علامة الرياء في طلب العلم أن يخطر في باله أنه خير من العوام لأجل العلم ومن فعل ذلك مات قلبه فإن العلم لا يحيي قلب صاحبه إلا إن أخلص فيه
- وكان صالح المري رضي الله عنه يقول: من علامة إخلاص طالب العلم أن ينشرح صدره كلما وصفه الناس بالجهل والرياء والسمعة كما أن من علامة ريائه انقباض قلبه من ذلك.
- وكان الربيع بن خثيم يقول: كيف يرائي العالم بما يعلم مع علمه بأن كل ما لا يُبتغى به وجه الله يضمحل, وكان إذا دخل عليه أمير على غفلة وهو يدرس العلم يغتم لذلك, وكان إذا بلغه أن أحدا من الأمراء عازم على زيارته لا يدرس علما ذلك اليوم خوفا أن يراه ذلك الأمير وهو في محفل درسه العظيم .
- وكان الربيع يقول: من علامة المخلص في علمه أن ينقبض في نفسه إذا مدحه الأكابر ويتأثر كما يتأثر ممن اطلع عليه وهو يزني
- وكان بكر بن عبدالله المزني رضي الله عنه يقول: علامة المرائي بعلمه أن يرغب الناس في العلم ليقرءوا عليه, ثم إنه إذا شاوره أحد في القراءة على غيره لا يرغبه كل ذلك الترغيب
- ولما ترك بشر الحافي الجلوس لإملاء الحديث قالوا له: ماذا تقول لربك إذا قال لك يوم القيامة لم لا تعلم عبادي العلم؟ فقال أقول له: يا رب قد أمرتني فيه بالإخلاص ولم أجد في نفسي إخلاصا)اه
وقد صار الكثيرون اليوم وقبل اليوم يطلبون العلم من أجل الوظائف والمناصب والقرب من الحكام والأمراء والملوك..إلخ, قال الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين 1/42-41 : ( اعلم أن الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تولاها الخلفاء الراشدون المهديون وكانوا أئمة علماء بالله تعالى فقهاء في أحكامه وكانوا مستقلين بالفتاوى في الأقضية فكانوا لا يستعينون بالفقهاء إلا نادرا في وقائع لا يستغنى فيها عن المشاورة فتفرغ العلماء لعلم الآخرة وتجردوا لها وكانوا يتدافعون الفتاوى وما يتعلق بأحكام الخلق من الدنيا وأقبلوا على الله تعالى بكنه اجتهادهم كما نقل من سيرهم.
فلما أفضت الخلافة بعدهم إلى أقوام تولوها بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام اضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم لاستفتائهم في مجاري أحكامهم وكان قد بقي من علماء التابعين من هو مستمر على الطراز الأول وملازمٌ صفو الدين ومواظب على سمت علماء السلف فكانوا إذا طلبوا هربوا وأعرضوا فاضطر الخلفاء إلى الإلحاح في طلبهم لتولية القضاء والحكومات
فرأى أهل تلك الأعصار عز العلماء وإقبال الأئمة والولاة عليهم مع إعراضهم عنهم فاشرأبوا لطلب العلم توصلا إلى نيل العز ودرك الجاه من قبل الولاة فأكبوا على علم الفتاوى وعرضوا أنفسهم على الولاة وتعرفوا إليهم وطلبوا الولايات والصِلات منهم فمنهم من حرم ومنهم من أنجح والمنجح لم يخل من ذل الطلب ومهانة الابتذال فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين وبعد أن كانوا أعزة بالإعراض عن السلاطين أذلة بالإقبال عليهم إلا من وفقه الله تعالى في كل عصر من علماء دين الله
وقد كان أكثر الإقبال في تلك الأعصار على علم الفتاوى والأقضية لشدة الحاجة إليها في الولايات والحكومات, ثم ظهر بعدهم من الصدور والأمراء من يسمع مقالات الناس في قواعد العقائد ومالت نفسه إلى سماع الحجج فيها فعُلمت رغبته إلى المناظرة والمجادلة في الكلام فأكب الناس على علم الكلام وأكثروا فيه التصانيف ورتبوا فيه طرق المجادلات واستخرجوا فنون المناقضات في المقالات وزعموا أن غرضهم الذب عن دين الله والنضال عن السنة وقمع المبتدعة كما زعم من قبلهم أن غرضهم بالاشتغال بالفتاوى الدين وتقلُّد أحكام المسلمين إشفاقا على خلق الله ونصيحة لهم)اه
ولا يكفي في صدق النية وإخلاص الطلب أن نسلم من قصد المال والوظائف والمناصب ونحوها, بل هناك ما هو أخطر من ذلك وهو قصد الجاه والمنزلة عند الخلق, قال الغزالي في إحياء علوم الدين(1/61): (ولا تظنن أن ترك المال يكفي في اللحوق بعلماء الآخرة فإن الجاه أضر من المال ولذلك قال بشر: (حدثنا) باب من أبواب الدنيا, فإذا سمعت الرجل يقول: (حدثنا) فإنما يقول أوسعوا لي, وكان يقول: أنا أشتهي أن أحدث ولو ذهبت عني شهوة الحديث لحدثت, وقال: إذا اشتهيت أن تحدث فاسكت فإذا لم تشته فحدث, وهذا لأن التلذذ بجاه الإفادة ومنصب الإرشاد أعظم لذة من كل تنعم في الدنيا فمن أجاب شهوته فيه فهو من أبناء الدنيا, ولذلك قال الثوري: فتنة الحديث أشد من فتنة الأهل والمال والولد)اه
وقال الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين أيضا ج2/ص357: (فساد الرعايا بفساد الملوك وفساد الملوك بفساد العلماء وفساد العلماء باستيلاء حب المال والجاه, ومن استولى عليه حب الدنيا لم يقدر على الحسبة على الأراذل فكيف على الملوك والأكابر والله المستعان على كل حال)اه
وعلامة صدق النية في الطلب هو حب الخمول والبعد عن الشهرة والأضواء, قال ابن عطاء الله في الحكم: (ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لم يتم نتاجه), وقبل ذلك يقول النبي صلى الله علي وسلم : (رُب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له مدفوع بالأبواب تنبو عنه أعين الناس لو أقسم على الله لأبره)اه والحديث أصله في صحيح مسلم, وتأمل في خير التابعين وهو أويس القرني فقد كان من الأخفياء الذين إذا حضروا لم يعرفوا وإذا غابوا لم يفقدوا, وليس المذموم هو وجود الجاه والصيت والشهرة, ولكن المذموم هو حب ذلك وطلبه كما قال الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين

المبحث الرابع
أهل العلم والعبادة:
العبادة هي مقصد وجود الإنسان بل هي مقصد وجود كل المخلوقات, وهي الطريق إلى ولاية الله ومعرفته, وهي الطريق إلى جنة الدنيا والآخرة وسعادة الدنيا والآخرة.., قال الله تعالى: (وما خلقت الجنة والإنس إلا ليعبدون) وقال سبحانه: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) وقال سبحانه: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) وقال سبحانه: (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله إلا بذكر الله تطمئن القلوب)
وفي الحديث القدسي: (يا بن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى وأملأ يديك رزقا, ابن آدم لا تباعد عني فأملأ قلبك فقرا وأملأ يديك شغلا)اه رواه الطبراني في المعجم الكبير (20/216) عن معقل ابن يسار رضي الله عنه وصححه الحاكم (2/481) ووافقه الذهبي, ورواه ابن حبان في صحيحه (2/119) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
فإذا وفقك الله تعالى -أخي الكريم- للعلم فاشكره على ذلك بالعبادة والقنوت له, وفي الحديث: (أفلا أحب أكون عبدا شكورا) متفق عليه, فكان شكر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم لنعمة غفران الذنوب بالقيام بالعبادة, وفي اقتضاء العلم العمل (ص/39): (عن صالح بن رستم قال: قال لي أبو قلابة: إذا أحدث الله لك علما فأحدث له عبادة، ولا يكن إنما همك أن تحدث به الناس)اه
والفقيه والعالم هو المداوم على العبادة, ففي سنن الدارمي 1/101: (عن عمران المنقري قال: قلت للحسن يوما في شيء قاله: يا أبا سعيد ليس هكذا يقول الفقهاء فقال: ويحك ورأيت أنت فقيها قط, إنما الفقيه: الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بأمر دينه المداوم على عبادة ربه)اه
وقال الإمام الشاطبي في الموافقات (1/60): (كل علم شرعي فطلب الشارع له إنما يكون حيث هو وسيلة إلى التعبد به لله تعالى لا من جهة أخرى, فإن ظهر فيه اعتبار جهة أخرى فبالتبع...والشرع إنما جاء بالتعبد وهو المقصود من بعثة الأنبياء عليهم السلام)اه
وللعلم طغيان لا يقل عن طغيان المال والخلاص منه يكون بالعبادة, روى الخطيب في اقتضاء العلم العمل (ص/28): (عن يوسف بن الحسين قال: في الدنيا طغيانان: طغيان العلم وطغيان المال، والذي ينجيك من طغيان العلم العبادة، والذي ينجيك من طغيان المال الزهد فيه)اه
فينبغي للمنتسب للعلم أن يكون له حظ من العبادة ولا يعتمد على مجرد العلم, وقد كان الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول: (ينبغي للعالم أن يكون له خبيئة من العمل الصالح فيما بينه وبين الله عز وجل ولا يعتمد على العلم فقط فإنه قليل الجدوى في الآخرة)اه العهود المحمدية ص267
وكان الإمام النووي رحمه الله يقول: (عليكم بالإخلاص في العلم لينفع الله تعالى به العباد قال: ولم يبلغنا عن أحد من العلماء غير العاملين أنه رؤي بعد موته فقال: غفر الله لي بعلمي أبدا)اه العهود المحمدية ص267
أهل العلم وقيام الليل
وأخص العبادات التي ينبغي على المنتسب إلى العلم أن يتحلى بها هي قيام الليل, فلا يحسن بطالب العلم أن ينام وقت تقسيم الجوائز والعطايا, كان ذو النون المصري يقول: (كيف يكون طالب العلم عاملا به وهو ينام وقت الغنائم ووقت فتح الخزائن ووقت نشر العلوم والمواهب في الأسحار لا يتهجد من الليل ساعة)اه العهود المحمدية ص266
وفي العهود المحمدية أيضا ص267: (قال أبو عصمة: بت ليلة عند الإمام أحمد أطلب الحديث فوضع لي إناء فيه ماء للتهجد, فجاء إلى صلاة الصبح فوجد الإناء بحاله فقال لي: لماذا جئت؟ فقلت جئت أطلب الحديث فقال: كيف أعلمك الحديث وليس لك تهجد في الليل؟ اذهب لحال سبيلك)اه
وروى ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (34 /138) بسنده (عن أحمد بن أبي الحواري قال: دخلت على أبي سليمان الداراني فسلمت عليه فقال: إليك عني يا بطال إن الله تعالى ينزل في كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول: كذب من ادعى محبتي فإذا جنه الليل نام عني كيف ينام حبيب عن حبيبه؟! وإني لمطلع عليهم إذا قاموا, جعلت أبصارهم في قلوبهم فكلموني على المخاطبة فأقول: بعيني من تلذذ بكلامي واستراح إلى مناجاتي يا جبريل ناد فيهم: لم هذا البكاء الذي نسمعه منكم؟ هل أخبركم مخبر عني أن حبيبا يعذب أحباءه؟ كيف أعذب أقواما إذا جنهم الليل تملقوني؟)اه
وبقيام الليل تحسُن الوجوه وتُكسى بالأنوار, وتُلْقى محبة أهلها في القلوب, روى ابن أبي الدنيا في كتابه التهجد وقيام الليل (ص/341) بسنده (عن إسماعيل بن مسلم قال قيل للحسن: ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوها؟ قال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره نورا)اه
وفي كتاب التهجد لابن الخراط: (قال سعيد بن المسيب رحمه الله: إن الرجل ليصلي بالليل، فيجعل الله في وجه نورا يحبه عليه كل مسلم، فيراه من لم يره قط فيقول: إني لأحبُ هذا الرجل)اه بواسطة رهبان الليل للعفاني 3/35
ولا يُحرَم من قيام الليل إلا محروم قيدته خطاياه وذنوبه, روى ابن أبي الدنيا في كتابه التهجد وقيام الليل (ص/405) بسنده عن الحجاج الصواف قال: قيل لعبد الله بن مسعود: ما نستطيع قيام الليل؟ قال: أقعدتكم ذنوبكم)اه, وروى أيضا في كتابه التهجد وقيام الليل (ص/406) (عن الحسن قال: إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل)اه
وروى أبو نعيم في حلية الأولياء (8/96) بسنده (عن الفضيل بن عياض قال: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم مكبل كبلتك خطيئتك)اه
وفي قوت القلوب لأبي طالب المكي (1/75): (قال رجل للحسن: يا أبا سعيد إني أبيت معافى وأحب قيام الليل وأتخذ طهوري فما بالي لا أقوم؟ فقال: ذنوبك قيدتك يا ابن أخي, وقال سفيان الثوري: حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته، قيل له: ما هو؟ قال: رأيت رجلاً بكى فقلت في نفسي: هذا مراء)اه


البرنامج العملي العبادي
إن الهدف من السلوك والتزكية هو وصول المرء إلى مقام الإحسان (الإحسان في معاملة الخالق والإحسان في معاملة المخلوق) وذلك إنما يكون بالتخلية والتحلية للظاهر والباطن, والظاهر سبع جوارح: السمع والبصر واللسان واليد والرجل والبطن والفرج, والباطن أمران: القلب والفكر, والتخلية تكون (بالترك) والتحلية (بالفعل)
والمُعين على ذلك بتوفيق الله تعالى -بعد أداء الفرائض- هو مجاهدة النفس بالمداومة على النوافل قال الله تعالى في الحديث القدسي: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ويده ورجله..) رواه البخاري
وأعظم النوافل تزكيةً للنفس هو الإكثار من ذكر الله قال صلى الله عليه وآله وسلم : (إن القلوب لتصدى كما يصدى الحديد قالوا: فما جلاؤها يا رسول الله؟ قال: كثرة ذكر الله)اه رواه ابن شاهين وابن عدي, وفي مصنف ابن أبي شيبة 6/164: (عن الأسود بن هلال المحاربي قال: قال لي معاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة يعني نذكر الله)اه وفي شعب البيهقي 1/75: (عن عطاء بن يسار أن عبد الله بن رواحة قال لصاحب له : تعال حتى نؤمن ساعة, قال : أو لسنا بمؤمنين؟ قال : بلى ولكنا نذكر الله فنزداد إيمانا)اه
قال ابن قيم الجوزية في الوابل الصيب من الكلم الطيب ص52: (ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء، فإذا تُرك صدئ وإذا ذكر جلاه, وصدأ القلب بأمرين: بالغفلة والذنب؛ وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر, فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكماً على قلبه، وصدؤه بحسب غفلته) اه
(وربما هون الكثير ممن ينتسب إلى العلم والدعوة من أمر العبادات والأذكار وحضور الجماعات وأنواع القربات التي يُتوخى من ورائها إصلاح القلب وإيقاظه للحقيقة الإسلامية وتخليصه من أمراضه التي نحن بصدد الحديث عنها, واعتبروا ذلك من دأب العامة وعاداتهم وتصوروه شيئا لا يليق بمن نشط للحركة والدعوة الإسلامية..
إنه وهم عجيب ومؤسف, سببه الذهول عن الفارق الأساسي الكبير بين الإسلام والمذاهب الفكرية الأخرى, وسبب ذلك الذهول انصرافهم عن مجاهدة النفس وتركها مع ما تهواه وتطمح إليه)اه رسالة (باطن الإثم) للبوطي ص59
وعلى المنتسب إلى العلم ألا يسوف في البدء بالسير إلى الله تعالى فإن التسويف جند من جنود إبليس, روى الخطيب في اقتضاء العلم العمل (ص/210): (عن قتادة، عن أبي الجلد قال: (قرأت في بعض الكتب: إن (سوف) جند من جند إبليس)اه وقال ابن عطاء الله في الحكم: (إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النفس)اه وقال أبو الربيع: (سيروا إلى الله عرجا ومكاسير ولا تنتظروا الصحة)اه وانظر رسالة آداب سلوك المريد ص13
وأول شيء في السير إلى الله هو باعث يقذفه الله في قلب المرء يزعجه ويقلقه ويقول له: إلى متى الغفلة؟ سر إلى الله, قد وصل القوم وأنت ما زلت مكانك
فإن قيل: كيف يأتي هذا الباعث إلى القلب؟ قيل: هذا الباعث يقذف في القلب بأربعة أشياء: بالترغيب والترهيب والتشويق والنظر
- بالترغيب في رضا الله والجنة وما أعده الله لأوليائه في الدنيا والآخرة
- والترهيب من غضب الله والنار وما أعده الله للغافلين في الدنيا والآخرة
- والتشويق للقاء الله والوصول إليه والأنس به والتلذذ بمناجاته
- والنظر إلى الصالحين, والنظر من الصالحين, أما النظر إليهم ففي الحديث: (خيار عباد الله الذين إذا رءوا ذكر الله) رواه أحمد (4/227) عن عبد الرحمن بن غنم, وإما النظر منهم ففي الحديث: (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله) رواه الطبراني (8/102) عن أبي أمامة والترمذي (5/298) عن أبي سعيد, وفي الحديث القدسي: (كنت بصره الذي يبصر به) وفي رواية: (فبي يبصر) رواه البخاري عن أبي هريرة
وعلى المرء أن يتعرض لتلك الأسباب ليحل في القلب ذلك الباعث, فإذا حل ذلك الباعث في القلب فيجب تجاهه أربعة أشياء: شكر الله تعالى عليه وتقويته وحفظه والاستجابة له
- فشكر الله تعالى عليه, بأن يتأمل: كم من المنتسبين إلى العلم وغيرهم ممن لم يقذف في قلبه ذلك الباعث, وكيف خصه الله به
- وتقوته تكون بشيئين: (بالذكر) وخصوصا ثلاثة أنواع من الذكر: التهليل والاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم , (وبالفكر) وخصوصا ثلاثة أنواع من الفكر: التفكر في نعم الله ويورث محبة الله, والتفكر في آيات الله ويورث عظمة الله, والتفكر في أحوال الدنيا والآخرة وأهلهما ويورث الزهد في الدنيا والعمل للآخرة
- وحفظه يكون بشيئين: مجالسة أهل الصلاح والبعد عن مجالسة البطالين
- والاستجابة له تكون بالبدء بالسير إلى الله تعالى وعدم التسويف
ثم أول خطوة يخطوها المرء في الطريق بعد الباعث هي تصحيح التوبة من كل الذنوب الظاهرة والباطنة التي بين العبد وربه والتي بين العبد والخلق, ولا يمكن للمرء أن يسير إلى الله تعالى وهو مصر على ذنب أو في رقبته حقوق للخلق
ثم عليه بملازمة النوافل, فيكون له نصيب: من قيام الليل ويحافظ على الرواتب والوتر والضحى, ويجتهد إلا يمر عليه يوم من غير صدقة ولو باليسير, ويكون له نصيب من الصوم ولو ثلاثة أيام من كل شهر, ويحافظ على قراءة القرآن أقل شيء جزء في اليوم, ويحافظ على الأذكار المقيدة والمطلقة, فالمقيدة كأذكار الصباح والمساء والنوم والاستيقاظ وأدبار الصلوات والدخول والخروج من البيت والمسجد وغيرها من أذكار المناسبات, والمطلقة كالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والحوقلة والاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويحاول أن يكثر من ذلك ما استطاع وخصوصا التهليل والاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم
ويجب عند أهل التزكية والسلوك أن تكون الصلاة والذكر والقرآن وغيرها من العبادات بحضور القلب فإن القيام بذلك من غير حضورٍ أثرُه ضعيف على القلب, ويجعل السير بطيئا, ثم المداومة على النوافل وحضور القلب فيها يحتاج إلى مجاهدة في أول الأمر وكما قيل: جاهد تشاهد, ثم بعد ذلك يصير الحضور عادة للمرء, فأوله عناء وآخره هنا.. أوله كُلفة وآخره ألفة.
كما يجب أيضا مراعاة خواطر القلب: النفسانية والشيطانية ويكون ذلكبأشياء منها: صرف تلك الخواطر وعدم الاسترسال معها وكُرهها والاستعاذة بالله منها, ثم إن المداومة على النوافل وحضور القلب فيها هو سبب رئيس في كشف تلك الخواطر والتخلص منها؛ لأنه كلما قرب الإنسان من الله تعالى ازداد معرفة بعيوب نفسه.
وتفاصيل ذلك كله يُرجع فيه إلى كتب التزكية والسلوك وخصوصا: كتاب (منهاج العابدين إلى جنة رب العالمين) للإمام الغزالي وكتاب (رسالة آداب سلوك المريد) للإمام الحداد, ولكن هناك أمر يختصر للمرء طريق السير إلى الله تعالى, ألا وهو أن يتربي على يد شيخ أهل للتربية, وهو ما سيكون الحديث عنه في المبحث التالي:
التزكية والسلوك على يد شيخ مربي
تقدم معنا أن علم التزكية والسلوك -وإن كان قد ألفت الكتب في تبيين حقيقته وتوضيح نهجه ومعالمه- ليس بعلم نظري, بل أعمال ووظائف ومجاهدات في الظاهر والباطن وفقا لنظام معين تورث بإذن الله معارف وأنوارا وأحوالا في قلب السالك من ذاقها ذاق طعم الإيمان, يذوقها المرء ولا يستطيع أن يعبر عنها لأن العبارة تعجز عنها وإذا عبر غلط.
ومهما قرأ الشخص عن التزكية والسلوك وعن تلك الأحوال فلن يتحصل عليها, قال الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين 1/71 : (وأما الكتب والتعليم فلا تفي بذلك بل الحكمة الخارجة عن الحصر والعد إنما تتفتح بالمجاهدة والمراقبة ومباشرة الأعمال الظاهرة والباطنة والجلوس مع الله عز وجل في الخلوة مع حضور القلب بصافي الفكرة والانقطاع إلى الله تعالى عما سواه)اه
وهذا الأمر يحتاج في العادة إلى أن يتربى الشخص على يد شخص أهل للتربية والتزكية, ويكون ذلك الشيخ أيضا قد تربى على من هو أهل لذلك وهكذا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم المزكي الأول الذي قال الله عنه ( يتلو عليهم آيته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة )
قال الإمام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى 11/510: (لا ريب أن الناس يحتاجون من يتلقون عنه الإيمان والقرآن كما تلقى الصحابة ذلك عن النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] وتلقاه عنهم التابعون وبذلك يحصل اتباع السابقين الأولين بإحسان, فكما أن المرء له من يعلمه القرآن ونحوه فكذلك له من يعلمه الدين الباطن والظاهر)اه
ومما يؤكد أهمية الشيخ المربي قوله تعالى: (ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا) فعلامة إضلال الله للعبد عدم وجود الولي المرشد وعلامة هدايته له أن يوفق لولي مرشد, وتأمل قوله: وليا مرشدا, تجد أن المرشد إذا لم يكن وليا فهو غير كاف, وكذا الولي إذا لم يكن مرشدا
والشيخ المربي هو الأب الروحي قال الإمام ابن تيمية: (الولادة نوعان: أحدهما: هذه المعروفة, والثانية: ولادة القلب والروح وخروجهما من مشيمة النفس وظلمة الطبع, قال: وهذه الولادة لما كانت بسبب الرسول كان كالأب للمؤمنين...قال: فالشيخ والمعلم والمؤدب أب الروح والوالد أب الجسم)اه نقله تلميذه في مدارج السالكين 3/70
وقبله قال الشيخ عبد القادر الجيلاني في الفتح الرباني ص 236 : ( يا من أراد السلوك استدل بمن قد سلك وعرف المواضع المخوفة منها وهم المشايخ العمال بالعلم المخلصون في أعمالهم, يا غلام كن غلام الدليل اتبعه واترك رحلك بين يديه وسر معه ) اه
وقال الإمام الطِّيبي كما في "تنوير القلوب" للكردي (ص/45): (أجمع أهل الطريق على وجوب اتخاذ الإنسان شيخاً له, يرشده إلى زوال تلك الصفات التي تمنعه من دخول حضرة الله بقلبه؛ ليصح حضوره وخشوعه في سائر العبادات, من باب مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ولا شك أن علاج أمراض الباطن واجب. فيجب على كل من غلبت عليه الأمراض أن يطلب شيخاً يخرجه من كل ورطة, وإن لم يجد في بلده أو إقليمه وجب عليه السفر إليه)اه.
وقال الإمام أبو حامد الغزالي في رسالته خلاصة التصانيف ضمن مجموع رسائله ص112: (الخامس: أن يكون له مرشد ومرب ليدله على الطريق ويرفع عنه الأخلاق المذمومة ويضع مكانها الأخلاق المحمودة.
ومعنى التربية أن يكون المربى كالمزارع الذي يربي الزرع فكلما رأى حجرا أو نباتا مضرا بالزرع قلعه وطرحه خارجا ويسقي الزرع مرارا إلى أن ينمو ويتربى ليكون أحسن من غيره, وإذا علمت أن الزرع محتاج للمربي علمت أنه لا بد للسالك من مرشد مرب البتة, لأن الله تعالى أرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام للخلق ليكونوا دليلا لهم يرشدهم إلى الطريق المستقيم وقبل انتقال المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم إلى الدار الآخرة قد جعل الخلفاء الراشدين نوابا عنه ليدلوا الخلق إلى طريق الله وهكذا إلى يوم القيامة فالسالك لا يستغنى عن المرشد البتة)اه
والفوائد التي يجنيها من يتزكى على يد شيخ مربي كثيرة جدا ومنها:
- أن الشيخ دليل مجرِب, والمسافر في طريق يسلكه لأول مرة لا بد له من دليل عادة وإلا فلا مفر من الضياع والتيه في سفره, عصمنا الله وإياكم من التيه والضياع, ولذا قال سفيان الثوري ما معناه: (عبدت الله سنين ثم لقيت عبد الواحد بن زيد فبان لي أن عندي من الكبائر ما لم أكن أعلمه) وقال بعض السلف: (عِلمُنا هذا من لم يعلمه مات مصرا على الكبائر وهو لا يشعر)
- كما أن من عادة النفس التفلت والهروب من التكاليف فإذا شعر الشخص بوجود من يتابعه فهذا أدعى للالتزام بالتكاليف
- كما أن أول العلل والأمراض تحطما عند التربية على يد شيخ مربٍ هو مرض الكبر والعجب و(الأنا) فإن قبول النفس بمربي هو بحد ذاته بعدٌ عن هذه الأمراض, ومن لم يتربى على يد شيخ فإنه لا يتخلص من هذه الأمراض في الغالب
- كما أن الشيخ يربيه بحالهِ قبل قالهِ وهو ما يسمى في المصطلح المعاصر (التربية بالقدوة) وقد قال بعض السلف ما معناه: (إني لأتذكر شيخي فأتقوى على العبادة شهرا فكيف إذا رأيته فكيف إذا سمعت كلامه ؟!) وفي صفة الصفوة (2/392): ( عن الجنيد بن محمد قال: كان لي شيوخ كانت رؤيتهم لي قوة من الأسبوع إلى الأسبوع وإن أبا بكر بن مسلم منهم)اه وفي صفة الصفوة (3/267): (عن جعفر قال: كنت إذا وجدت من قلبي قسوة نظرت إلى وجه محمد بن واسع نظرة, وكنت إذا رأيت وجه محمد بن واسع حسبت أن وجهه وجه ثكلى, وعن مطر الوراق قال: ما اشتهيت أن أبكى قط حتى اشتفى إلا نظرت إلى وجه محمد بن واسع, وكنت إذا نظرت إلى وجهه كأنه ثكلَ عشرةً من الحزن)اه وفي حلية الأولياء (2/158): (عن أشعث بن عبد الله قال: كنا إذا دخلنا على الحسن خرجنا ولا نعد الدنيا شيئا)اه
فإن قيل: إن القيام بالشرائع يغني عن الشيخ, فجوابه: ما قاله صاحب كتاب العهود المحمدية ص369 حيث قال: (وقد أجمع الأشياخ على أنه لو صح لعبد أن يأتي بالمأمورات على الوجه الذي أمر الله تعالى به من غير خلل لما احتاج أحد إلى شيخ لكن لم يصح لهم ذلك فاحتاجوا ضرورة إلى من يبين لهم مراد الحق فلذلك احتاج أتباع المجتهدين إلى المجتهدين) اه
وإن قيل: أين هم الشيوخ المربون الذين يزكون نفوسنا ويأخذون بأيدينا إلى الله؟ قيل: من جد وجد ومن صدق الله صدقه, ولو صدق المريدون لوجدوا المشايخ على الأبواب, قال ابن عطاء الله في الحكم: (سبحان من لم يجعل الدليل عليهم إلا من حيث الدليل عليه ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه)اه
وبعد أن عرفنا أهمية الشيخ المربي لا بد من التنبيه إلى أمر مهم جدا ألا وهو الحذر من الأدعياء, فقد انتصب للتربية من ليس أهلا لها.
فإن قيل: كيف أعرف الأدعياء من غيرهم؟ قيل: تعرف ذلك بأن تنظر في الصفات والأخلاق, ويكون ذلك بأن تجالس الشيخ وتسمع له وتقرأ له وتجالس مريديه وطلابه, فإن رأيت فيه صفات وأخلاق الشيخ المربي فهو أهل للتربية وإلا فلا.
فإن قيل: وما هي صفات وأخلاق الشيخ المربي؟ فالجواب: هو ما قاله الإمام الغزالي في خلاصة التصانيف حيث قال ص113: (وشرط المرشد أن يكون عالما لكن ليس كل عالم يصلح للإرشاد بل لا بد له أن يكون عالما له أهلية صناعة الإرشاد, ولهذا المرشد علامات ونحن نذكر لك ما لا بد له منها بطريق الإجمال حتى لا يدعي الإرشاد كل متحير, فالمرشد هو:
- الذي يكون قد خرج من باطنه حب المال والجاه
- وتأسس بنيان تربيته على يد مرشد كذلك وهلم حتى تنتهي السلسلة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم
- وذاق بعض الرياضات كقلة الأكل والكلام والنوم وكثرة الصلاة والصدقة والصوم
- واقتبس نورا من أنوار سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم
- واشتهر بالسيرة الحسنة والأخلاق المحمودة من صبر وشكر وتوكل ويقين وطمأنينة وسخاء وقناعة وأمانة وحلم وتواضع ومعرفة وصدق ووقار وحياء وسكون وتأن وأمثالها
- وتطهر من الأخلاق الذميمة كالكبر والبخل والحسد والحقد والحرص والأمل الطويل والطيش ونحوها
- وسلِم من تعصب المتعصبين واستغنى عن علم المكلفين بالعلم المتلقى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
فالاقتداء بمثل هذا المرشد هو عين الصواب والظفر بمثله نادر لا سيما في هذا الزمان فإنه كثر فيه من يدعى الإرشاد وهو في الحقيقة يدعو الناس إلى اللهو واللغو, بل ادعى كثير من الملحدين الإرشاد بمخالفة الشريعة وبسبب غلبة هؤلاء المدعين اختفى المرشدون الحقيقون في أركان الزوايا
وبما ذكرناه عُلم بعضُ علامات المرشد الحقيقي, حتى أنه من وجد متخلقا بها علم أنه من المرشدين ومن لم يكن متخلقا بها علم أنه من المدعين, فإن تحصل أحد على مثل هذا المرشد وقَبِلَهُ المرشدُ وجب عليه احترامه ظاهرا وباطنا)اه كلام الغزالي
وقال الإمام الشاطبي في الموافقات (1/93): (للعالم المتحقق بالعلم أمارات وعلامات تتفق مع ما تقدم وإن خالفتها فى النظر وهى ثلاث:
- إحداها: العمل بما علم حتى يكون قوله مطابقا لفعله فإن كان مخالفا له فليس بأهل لأن يؤخذ عنه ولا أن يقتدى به في علم وهذا المعنى مبين على الكمال في كتاب الاجتهاد والحمد لله
- والثانية: أن يكون ممن رباه الشيوخ في ذلك العلم لأخذه عنهم وملازمته لهم فهو الجدير بأن يتصف بما اتصفوا به من ذلك وهكذا كان شأن السلف الصالح, فأول ذلك ملازمة الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخذهم بأقواله وأفعاله...وصار مثل ذلك أصلا لمن بعدهم فالتزم التابعون في الصحابة سيرتهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى فقهوا ونالوا ذروة الكمال في العلوم الشرعية وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالما اشتهر في الناس الأخذ عنه إلا وله قدوة اشتهر في قرنه بمثل ذلك...
- والثالثة: الاقتداء بمن أخذ عنه والتأدب بأدبه كما علمت من اقتداء الصحابة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم واقتداء التابعين بالصحابة وهكذا في كل قرن)اه
وقال الشوكاني كما في الفتح الرباني 2/1044: (فيا طالب الخير إذا ظفرت يداك بواحد من هؤلاء الذي هم صفوة الصفوة وخيرة الخيرة فاشددهما عليه واجعله مؤثرا على الأهل والمال والقريب والحبيب والوطن والسكن)اه
فإن قيل: إن وجدتُ أكثرَ من شيخ فيهم تلك الصفات والأخلاق, فكيف يكون الاختيار من بينهم؟ قيل: عليك بالاستخارة وكثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكثرة الدعاء بـ (يا دليل الحائرين) وبعد ذلك لا بد أن يأتيك من الله تعالى ما يرشدك إلى شيخك ومربيك, إلهام أو رؤيا أو طمأنينة قلب...إلخ ثم عليك بالاستفادة من جميع الشيوخ المربين.
نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يدلنا عليه وأن يوصلنا إليه وأن يعيننا على أنفسنا وأن يجعلنا من العلماء العاملين وأن يجعلنا من المقربين المحبوبين لديه, وأن يجعل علمنا حجة لنا لا علينا والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سدينا محمد وآله وصحبه وأتباعه

عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي
اليمن – صنعاء
سلخ رجب/ 1431هـ

Admin
Admin

عدد المساهمات : 193
تاريخ التسجيل : 30/03/2011

http://aldoaa.7olm.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى